الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

45

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لدي وما أنا بظلام للعبيد ( 1 ) . والمراد من " القول " هنا هو التهديد أو الوعيد الذي أشار إليه الله سبحانه مرارا في آيات متعددة وذكرنا آنفا أمثلة منها . والتعبير ب‍ " ظلام " وهو صيغة مبالغة معناه كثير الظلم ، مع أن الله لا يصدر منه أقل ظلم ، ولعل هذا التعبير هو إيذان بأن مقام عدل الله وعلمه في درجة بحيث لو صدر منه أصغر ظلم لكان يعد كبيرا جدا ولكان مصداقا للظلام ، فعلى هذا فإن الله بعيد عن أي أنواع الظلم . أو أن هذا التعبير ناظر إلى الأفراد والمصاديق ، إذ لو نال عبدا ظلم من الله فهناك نظراء لهذا العبد ، وفي المجموع يكون الظلم كثيرا . وعلى كل حال ، فإن هذا التعبير دليل على أن العباد مخيرون ولديهم الحرية " في الإرادة " فلا الشيطان مجبور على شيطنته وعمله ، ولا الكفار مجبورون على الكفر وأتباع طريق الشيطان ، ولا العاقبة والمصير القطعي الخارج عن الإرادة قد تقررا لأحد أبدا . وهنا ينقدح هذا السؤال ! وهو : كيف يقول سبحانه ما يبدل القول لدي ؟ مع أن جماعة من العباد يشملهم عفوه وغفرانه ؟ والجواب على هذا السؤال : أن العفو أيضا وفقا لمنهج دقيق وفرع على عمل أداه الإنسان بحيث أنه على رغم جرمه فهو جدير بالعفو ، وهذا بنفسه أحد السنن الإلهية ، وهو أن من يستحق العفو يشمله عفوه ، وهذا أيضا لا يتغير . وفي آخر آية من الآيات محل البحث إشارة إلى جانب قصير ومثير من مشاهد يوم القيامة إذ تقول الآية : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من

--> 1 - لدي ظرف متعلق ب‍ " يبدل " واحتمل بعض المفسرين أنه متعلق بالقول ، إلا أن المعنى الأول أنسب . .